فصل: تفسير الآية رقم (264):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرآن الكريم



.تفسير الآية رقم (263):

{قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)}
فأخبر أن القول المعروف وهو الذي تعرفه القلوب ولا تنكره.
والمغفرة وهي العفو عمن أساء إليك خير من الصدقة بالأذى. فالقول المعروف إحسان. وصدقة بالقول والمغفرة إحسان بترك المؤاخذة والمقابلة فهما نوعان من أنواع الإحسان، والصدقة المقرونة بالأذى حسنة مقرونة بما يبطلها ولا ريب أن حسنتين خير من حسنة باطلة. ويدخل في المغفرة مغفرة للسائل إذا وجد منه بعض الجفوة والأذى لك بسبب رده فيكون عفوه عنه خيرا من أن يتصدق عليه ويؤذيه. هذا على المشهور من القولين في الآية، والقول الثاني: أن المغفرة من اللّه أي مغفرة لكم من اللّه بسبب القول المعروف والرد الجميل خير من صدقة يتبعها أذى، وفيها قول ثالث أي مغفرة وعفو من السائل إذ ردّ وتعذر المسؤول خير من أن ينال بنفسه صدقة يتبعها أذى. وأوضح الأقوال هو الأول ويليه الثاني والثالث ضعيف جدا لأن الخطاب إنما هو للمنفق المسؤول لا للسائل الآخذ. والمعنى: أن قول المعروف له والتجاوز والعفو خير لك من أن تصدق عليه وتؤذيه، ثم ختم الآية بصفتين مناسبتين لما تضمنته فقال: {وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} وفيه معنيان.
أحدهما: إن اللّه غني عنكم لن يناله شيء من صدقاتكم وإنما الحظ الأوفر لكم في الصدقة فنفعها عائد عليكم لا إليه سبحانه وتعالى فكيف يمن بنفقته ويؤذي مع غني اللّه التام عنها وعن كل ما سواه ومع هذا فهو حليم إذ لم يعاجل المان بالعقوبة. وفي ضمن هذا: الوعيد والتحذير.
والمعنى الثاني: أنه سبحانه وتعالى مع غناه التام من كل وجه فهو الموصوف بالحلم والتجاوز، والصفح مع عطائه وصدقاته العميمة، فكيف يؤذي أحدكم بمنه، وأذاه مع قلة ما يعطي ونزارته وفقره.

.تفسير الآية رقم (264):

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (264)}
فتضمنت هذه الآية الإخبار بأن المن والأذى يحبط الصدقة، وهذا دليل على أن الحسنة قد تحبط بالسيئة مع قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} [49: 2].
وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في أول هذه الرسالة فلا حاجة إلى إعادته وقد يقال: إن المن والأذى المقارن للصدقة هو الذي يبطلها دون أن يلحقها بعدها إلا أنه ليس في اللفظ ما يدل على هذا التقييد والسياق يدل على إبطالها به مطلقا، وقد يقال: تمثيله بالمرائي الذي لا يؤمن باللّه واليوم الآخر يدل على أن المن والأذى المبطل هو المقارن كالرياء وعدم الإيمان فإن الرياء لو تأخر عن العمل لم يبطله، ويجاب عن هذا بجوابين:
أحدهما: أن التشبيه وقع في الحال التي يحبط بها العمل وهي حال المرائي والمان المؤذي في أن كل واحد منهما يحبط العمل.
الثاني: أن الرياء لا يكون إلا مقارنا للعمل لأنه فعال من الرؤيا التي صاحبها يعمل ليرى الناس عمله فلا يكون متراخيا وهذا بخلاف المن والأذى فإنه يكون مقارنا ومتراخيا وتراخيه أكثر من مقارنته.
وقوله: {كالذي ينفق} إما أن يكون المعنى كإبطال الذي ينفق فيكون قد شبه الأبطال بالأبطال أو المعنى لا تكونوا كالذي ينفق ماله رئاء الناس فيكون تشبيها للمنفق بالمنفق.
وقوله: {فمثله} أي مثل هذا المنفق الذي قد بطل ثواب نفقته كمثل صفوان وهو الحجر الأملس وفيه قولان: أحدهما: أنه واحد. والثاني: جمع صفوة {عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ} وهو المطر الشديد فتركه صلدا وهو الأملس الذي لا شيء عليه من نبات ولا غيره. وهذا من أبلغ الأمثال وأحسنها فإنه يتضمن تشبيه قلب هذا المنفق المرائي الذي لم يصدر إنفاقه عن إيمان باللّه واليوم الآخر بالحجر، لشدته وصلابته وعدم الانتفاع به وتضمن تشبيه ما علق به من أثر الصدقة بالغبار الذي علق بذلك الحجر والوابل الذي أزال ذلك التراب عن الحجر فأذهبه بالمانع الذي أبطل صدقته وأزالها كما يذهب الوابل التراب الذي على الحجر فيتركه صلدا فلا يقدر المنفق على شيء من ثوابه لبطلانه وزواله. وفيه معنى آخر: وهو أن المنفق لغير اللّه هو في الظاهر عامل عملا يرتب عليه الأجر ويزكو له كما تزكو الحبة التي إذا بذرت في التراب الطيب أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ولكن وراء هذا الإنفاق مانع يمنع من نموه وزكائه كما أن تحت التراب حجرا يمنع من نبات ما يبذر من الحب فيه. فلا ينبت ولا يخرج شيئا.

.تفسير الآية رقم (265):

{وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)}
هذا مثل الذي مصدر نفقته عن الإخلاص والصدق. فإن ابتغاء مرضاته سبحانه هو الإخلاص. والتثبيت من النفس هو الصدق في البذل فإن المنفق يعترضه عند إنفاقه آفتان إن نجا منهما كان مثله ما ذكره في هذه الآية. إحداهما: طلبه بنفقته محمدة أو ثناء أو غرضا من أغراضه الدنيوية. وهذا حال أكثر المنفقين، والآفة الثانية: ضعف نفسه وتقاعسها وترددها. هل يفعل أم لا؟ فالآفة الأولى: تزول بابتغاء مرضاة اللّه. والآفة الثانية: تزول بالتثبيت فإن تثبيت النفس تشجعها وتقويتها والأقدام بها على البذل. وهذا هو صدقها وطلب مرضاة اللّه إرادة وجهه وحده وهذا إخلاصها فإذا كان مصدر الإنفاق عن ذلك كان مثله كجنة- وهي البستان الكثير الأشجار- فهو مجتنّ بها أي مستتر ليس قاعا فارغا. والجنة بربوة وهو المكان المرتفع، لأنها أكمل من الجنة التي بالوهاد والحضيض، لأنها إذا ارتفعت كانت بمدرجة الأهوية والرياح. وكانت ضاحية للشمس وقت طلوعها واستوائها وغروبها. فكانت انضج ثمرا وأطيبه وأحسنه وأكثره، فإن الثمار تزداد طيبا وزكاء بالرياح والشمس، بخلاف الثمار التي تنشأ في الضلال، وإذا كانت الجنة بمكان مرتفع لم يخش عليها إلا من قلة الماء والشراب فقال تعالى: {أَصابَها وابِلٌ} وهو المطر الشديد العظيم القدر، فأدت ثمرتها وأعطت بركتها، فأخرجت ثمرتها ضعفي ما يثمر غيرها أو ضعفي ما كانت تثمر بسبب ذلك الوابل. فهذا حال السابقين المقربين: {فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ} فهو دون الوابل. فهو يكفيها لكرم منبتها وطيب مغرسها تكتفي في إخراج بركتها بالطل، وهذا حال الأبرار والمقتصدين في النفقة، وهم درجات عند اللّه فأصحاب الوابل أعلاهم درجة، وهم الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. وأصحاب الطلب مقتصدهم.
فمثّل حال القسمين وأعمالهم بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكثيرة بالوابل والطل، وكما أن كل واحد من المطرين يوجب زكاء ثمر الجنة ونحوه بالأضعاف، فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة، بعد أن صدرت عن ابتغاء مرضاة اللّه والتثبيت من نفوسهم، فهي زاكية عند اللّه نامية مضاعفة.
واختلف في الضعفين. فقيل: ضعفا الشيء مثلاه زائدا عليه، وضعفه مثله.
وقيل: ضعفه مثلاه وضعفاه ثلاثة أمثاله، وثلاثة أضعافه أربعة أمثاله كلما زاد ضعفا زاد مثلا، والذي حمل هذا القائل على ذلك فراره من استواء دلالة المفرد والتثنية فإنه رأى ضعف الشيء هو مثله الزائد عليه فإذا زاد إلى المثل صار مثلين، وهما الضعف. فلو قيل: لها ضعفان. لم يكن فرق بين المفرد والمثنى. فالضعفان عنده مثلان مضافان إلى الأصل، ويلزم من هذا أن يكون ثلاثة أضعافه ثلاثة أمثاله مضافة إلى الأصل. وهكذا أبدا.
والصواب: أن الضعفين هما مثلان فقط، الأصل ومثله. وعليه يدل قوله تعالى: {فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ} أي مثلين، وقوله تعالى: {يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ} [33: 30] أي مثلين. ولهذا قال في الحسنات: {نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ} [33: 31].
وأما ما توهموه من استواء دلالة المفرد والتثنية فوهم منشؤه ظن أن الضعف هو المثل مع الأصل، وليس كذلك، بل المثل له اعتباران: إن اعتبر وحده فهو ضعف، وان اعتبر مع نظيره فهما ضعفان. واللّه أعلم.
واختلف في رافع قوله: {فَطَلٌّ}.
فقيل: هو مبتدأ خبره محذوف، أي وطله يكفيها.
وقيل: خبر مبتدؤه محذوف تقديره. فالذي يرويها ويصيبها طل، والضمير في {أَصابَها} إما أن يرجع إلى الجنة، أو إلى الربوة، وهما متلازمان.

.تفسير الآية رقم (266):

{أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)}
قال الحسن: هذا مثل، قلّ واللّه من يعقله من الناس: شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته. وإن أحدكم واللّه أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا.
وفي صحيح البخاري عن عبيد بن عمير قال: قال عمر يوما لأصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيم هم يرون هذه الآية نزلت: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ} الآية؟ قالوا: اللّه أعلم. فغضب عمر وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي شيء يا أمير المؤمنين. فقال عمر: قل يا ابن أخي، ولا تحقر بنفسك.
قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل.
قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل رجل عمل بطاعة اللّه ثم بعث اللّه له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله.
فقوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} أخرجه مخرج الاستفهام الانكاري، وهو أبلغ من النفي والنهي وألطف موقعا، كما ترى غيرك يفعل فعلا قبيحا، فتقول له: لا يفعل هذا عاقل، أيفعل هذا من يخاف اللّه والدار الآخرة؟
وقال تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} بلفظ الواحد لتضمنه معنى الإنكار العام، كما تقول أيفعل هذا أحد فيه خير؟ وهو أبلغ في الإنكار من أن يقول: أيودون. وقوله: {أَيَوَدُّ} أبلغ في الإنكار مما لو قيل: أيريد، لأن محبة هذا الحال المذكورة وتمنيها أقبح وأنكر من مجرد إرادتها.
وقوله تعالى: {أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ} خص هذين النوعين من الثمار بالذكر لأنهما أشرف أنواع الثمار، وأكثرها نفعا فإن منهما القوت والغذاء. والدواء والشراب والفاكهة. والحلو والحامض، ويؤكلان رطبا، ويابسا، ومنافعهما كثيرة جدا.
وقد اختلف في الأنفع والأفضل منهما.
فرجحت طائفة النخيل، ورجحت طائفة العنب، وذكرت كل طائفة حججا لقولها، فذكرناها في غير هذا الموضع.
وفصل الخطاب: أن هذا يختلف باختلاف البلاد. فإن اللّه سبحانه وتعالى أجرى العادة بأن سلطان أحدهما لا يحل حيث يحل سلطان الآخر.
فالأرض التي يكون فيها سلطان النخيل لا يكون فيها العنب بها طائلا ولا كثيرا. لأنه إنما يخرج في الأرض الرخوة اللينة المعتدلة غير السخية، فينمو فيها ويكثر، وأما النخيل فنموه وكثرته في الأرض الحارة السبخة، وهي لا تناسب العنب. فالنخل في أرضه وموضعه أنفع وأفضل من العنب فيها.
والعنب في أرضه ومعدنه أفضل من النخل فيها. واللّه أعلم.
والمقصود: أن هذين النوعين هما أفضل أنواع الثمار وأكرمها. فالجنة المشتملة عليهما أفضل الجنان، ومع هذا فالأنهار تجري تحت هذه الجنة.
وذلك أكمل لها وأعظم في قدرها، ومع ذلك فلم يعدم شيئا من أنواع الثمار المشتهاة، بل فيها من كل الثمرات، ولكن معظمها ومقصودها النخيل والأعناب. فلا تنافي بين كونها من نخيل وأعناب، {وفِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ}.
ونظير هذا قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ} [18: 32، 33].
وقد قيل: إن الثمار في آية الكهف وفي آية البقرة المراد بها المنافع والأموال والسياق يدل على أنها الثمار المعروفة لا غيرها. لقوله في البقرة: {لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ} ثم قال تعالى: {فَأَصابَها} أي الجنة {إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ} وفي الكهف: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها} وما ذلك إلا ثمار الجنة. ثم قال تعالى: {وَأَصابَهُ الْكِبَرُ} هذا إشارة إلى شدة حاجته إلى جنته، وتعلق قلبه بها من وجوه.
أحدها: أنه قد كبر سنه عن الكسب والتجارة ونحوها.
الثاني: أن ابن آدم عند كبر سنه يشتد حرصه.
الثالث: أن له ذرية، فهو حريص على بقاء جنته لحاجته وحاجة ذريته.
الرابع: أنهم ضعفاء، فهم كلّ عليه، لا ينفعونه بقوتهم وتصرفهم الخامس: أن نفقتهم عليه، لضعفهم وعجزهم.
وهذا نهاية ما يكون من تعلق القلب بهذه الجنة، لخطرها في نفسها، وشدة حاجته وذريته إليها. فإذا تصورت هذا الحال وهذه الحاجة، فكيف تكون مصيبة هذا الرجل إذا أصاب جنته إعصار، وهو الريح التي تستدير في الأرض ثم ترتفع في طبقات الجو كالعمود وفيها نار، مرت بتلك الجنة فأحرقتها، وصيرتها رمادا، فصدق واللّه الحسن- هذا مثل قل من يعقله من الناس- ولهذا نبه اللّه سبحانه وتعالى على عظم هذا المثل، وحدا القلوب إلى التفكر فيه لشدة حاجتها إليه فقال تعالى: {كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}.
فلو فكر العاقل في هذا المثل وجعله قبلة قلبه لكفاه وشفاه فكذلك العبد إذا عمل بطاعة اللّه ثم أتبعها بما يبطلها ويحرقها من معاصي اللّه كانت كالإعصار ذي النار المحرق للجنة التي غرسها بطاعته وعمله الصالح.
فلو تصور العامل بمعصية اللّه بعد طاعته هذا المعنى حق تصوره وتأمله كما ينبغي لما سولت له نفسه واللّه إحراق أعماله الصالحة وإضاعتها، ولكن لابد أن يغيب عنه علمه عند المعصية. ولهذا استحق اسم الجهل. فكل من عصى اللّه فهو جاهل.
فإن قيل: الواو في قوله تعالى: {وَأَصابَهُ الْكِبَرُ} واو الحال أم واو العطف؟ وإذا كانت للعطف فعلام عطفت ما بعدها؟.
قلت: فيه وجهان.
أحدهما: أنها واو الحال، اختاره الزمخشري، والمعنى: أيود أحدكم أن تكون له جنة شأنها كذا وكذا في حال كبره وضعف ذريته.
والثاني: أن تكون للعطف على المعنى. فإن فعل التمني وهو قوله: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} لطلب الماضي كثيرا. فكان المعنى: أيود لو كانت له جنة من نخيل وأعناب وأصابه الكبر فجرى عليها ما ذكر.
وتأمل كيف ضرب سبحانه المثل للمنفق المرائي الذي لم يصدر إنفاقه عن الإيمان: بالصفوان الذي عليه التراب، فإنه لم ينبت شيئا أصلا، بل ذهب بذره ضائعا لعدم إيمانه وإخلاصه. ثم ضرب المثل لمن عمل بطاعة اللّه مخلصا بنيته للّه، ثم عرض له ما أبطل ثوابه: بالجنة التي هي من أحسن الجنان وأطيبها وأزهرها. ثم سلط عليها الأعصار الناري فأحرقها. فإن هذا نبت له شيء وأثمر له عمله، ثم أحرقه، والأول لم يحصل له شيء يدركه الحريق.
فتبارك من جعل كلامه حياة للقلوب وشفاء للصدور وهدى ورحمة للمؤمنين.